المـــــــــهاجر
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة منتديات منتدى المـــــــــهاجر
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة منتدى المـــــــــهاجر



 
الرئيسية1التسجيلدخول

شاطر | 
 

 .. قصة قصيرة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الاداره
المؤسس
المؤسس
avatar

ذكر
تاريخ التسجيل : 15/03/2010

مُساهمةموضوع: .. قصة قصيرة   الخميس أبريل 08, 2010 7:47 pm


قال له (الحكيم أُوبِي) بصوته الذي يجمعُ على نحو متوازن ما بين الجدية والحنان :
- تسعة عشرَ شهراً قضيتَها هنا جعلتنا نصبحُ كالأقاربِ...
سكتَ وكأنه يفكرُ، ثم أضاف وهو يرفعُ إليه بصره :
- وفراقُ الأقارب أمرٌ صعب!
عرِفَ أنَّه يودعه بتلك الكلمات التي ستعلق بذاكرته لمدة طويلة، ككل
التفاصيل التي عاشها في هذا المكان القصي من أدغالِ أفريقيا وهو القادم من
شاطئ المحيط ومجابات الصحراء الكبرى بحثاً عن علاجٍ ذُكِرَ له بعيداً حيث
يلتقي النهران هناك، حيث النهر الشمالي يتسربُ إلى قاعدة الجبل بوداعة
وكأنه يتسللُ، أو كأن الجبل يرتشفه بحذر، أما النهر الجنوبي فينبثق من قمة
الجبل مشكلاً شلالاً يشق بياضه الصارخ عتمة الغطاء النباتي الأخضر
المنتشر، ويعربد بهديره القوي فيملأ المكان بالهيبة والرهبة..
وعلى القمة تقبع تلك الأكواخ المتشبثة بالغيمِ كبيوت الطير، والمتواضعة
فهي مصنوعة من العيدان وأوراق شجر الموز وأغصان جوز الهند، إلا أنها تشبه
الجبل في قدرتها على الصمود في وجه العاصفة!
الحياة هادئة وبسيطة، تجمع الكثير من التناقض بالكثير من اللامبالاة..
عند مجيئه كان يقتسم الكوخ مع شاب أفريقي جاء ليتعلم السحرَ، إلا أنه لم
تنقضِ الأشهرُ الثلاثةُ الأولى حتى تم طرده لأنه خالف الأوامرَ مرتين،
الأولى بنزوله إلى الوادي، والثانية بدخوله إلى الكهف في الجبل المجاور!
ثم جاء ليحل محله رجلٌ في الأربعين من عمره حمله قنوطه إلى هنا، فمنذ سن
السادسة عشر وهو يعاني من وسواس شديد حيرَ كل الأطباء الذين عالجوه، إنه
في كل ليلة يقتنع بأن شمس الغد لن تشرقَ عليه حياً!
في الأكواخ الأخرى لا يختلفُ الحال كثيراً، مصابٌ بالإيدز أنهكه الإحباط،
مريضٌ بالسكري فقد ساقه اليمنى، ومُقعدٌ يبحث عن أملٍ ضئيل قد يعيد الحياة
إلى قدميه فيستطيع المشيَ.. وآخر لا يريد أي شيء سوى أن يتحدث بإسهاب إلى
جذع الشجرة!
وآخر يطوي متاعه تاركاً مكانه لآخرَ وصل لتوه..!
أمَّا هو فكان يدركُ غايته جيداً منذ أسبوعه الأول حينَ خاطبه (الحكيم أُوبِي) قائلاً :
- لقد انتهى فرارك من الواقع بمجيئك هنا بحثاً عن ذاتكَ، لذا فإن علاجك
يكمن فيك فلا تبحث عنه في الخارج ولا تراهن على ما أعطيك من أعشاب لأنها
وحدها لا تقدر على شيء.. إرادتك هي التي ستشفيك، فهل تريد أن تشفى؟!
( هل يريدُ أن يشفى!! )
إنه يتذكر بوضوح كلمات صديقه وهو يحثه على العلاج مستغلاً إحدى لحظات صفوه القليلة، فيقول له بإحساس يملؤه الرجاء :
- أتمنى لو أنكَ تسعى في العلاج حتى تخرج من هذه الحالةِ التي أنتَ فيها..
لا أشك في أنك تعيش بعض اللحظات التي تحس فيها بأنك يجب أن تعود إلى سابق
عهدك، لحظات تشتاق فيها إلى نفسكَ..!!
ويضيف بعدَ أن ينظر في عينيه المملوءتين باللامبالاة :
- يجب أن تُشْفى، يجب أن تَعود.. من أجلها هيَّ فقطْ !
- أنتَ واهمٌ إن كنتَ تظنني أحبْ !!
- النكــران لن يفيدك في شيء.. ثم إنه لن يكون دوماً في مقدورك أن تهرب من كل شيء !
كانت تلك الكلمات تثير فيه إحساساً بالعجزِ والعريِ أمام حقيقته، إحساسٌ
قويٌ بالتشتت والحيرة بينَ خيارين يجعلانه يحسُّ بالانقسام.. بعضه يخاصِمُ
بعضاً ويحثه على الدخول في مغامرة شاقة واستئناف رحلة غير مضمونة النتيجة،
فيما يتأفَّفُ بعضه الآخر مفضلاً ذلك العالم التخيلي الذي يسكنه بنشوته
وحبوره، وغيبوبة السعادة تغشاه فلا يفيق إلا ليغفو، يختصر كل أحلامه في
إبرةٍ يتجرعها بأوردته..!
كان أكثر ما يقلقه تلك الإفاقة الصادمة حينَ يعود إلى الواقع فيتذكر أنه
كان إنساناً عادياً، له أحلامه ومشاريعه، لديه زوجة تحبه ويحبها، وتملؤ
حياتهما السعادة والحب والكثير من الحنان، فكل شيء كان يحدث كما خططا له
في السابق، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي لم يستطع فيه أن يقوم من فراش النوم
فقد كانت جميع مفاصله ترتعد بشدة ودرجة الحرارة لا تتوقف عن الارتفاع مع
مرور الوقت، ثم إنه كان يهذي فيقول الكثيرَ من الكلام الغامضِ والغير
مفهوم، وتارة يتخلل ذلك الهذيان بعض الصراخ والانقباضات، وتارة أخرى
قهقهات متقطعة متعبة..!
أثارت هذه الحالةُ رعبَ زوجته وخوفها، فنقلته إلى المستشفى حيث أجريت له
بعض الفحوصات والتحاليل، خَلُصَ الطبيب من خلالها إلى أن حالته بسيطة
جداً، فما هو إلا أسبوع ويقف على قدميه..
بعد أسبوع كان قد استعاد صحته مع بقاءِ مسحة تعب على ملامحه، وإعياء طفيف يبدو في كلامه وهو يخاطب الطبيب :
- يمكنني الخروج الآن ؟
- نعم، بكل تأكيد..!
- لتعذرني فأنا أكرهُ المستشفيات، كما أكره هذه الرائحة التي سترافقني لمدة !
قال الطبيب بنبرةٍ حازمة :
- قبلَ أن تغادر أريد أن أحدثكَ في موضوعٍ مهم ..
- تفضل.. أنا أستمع ..
- هنالك بعض الأمراض التي تحمل معها انعكاسات جانبية قد تؤدي إلى أمور لم تكن في الحسبان...
توقف الطبيب لينظر في وجهه حيث بدا الاستغراب واضحاً، والرغبة في معرفة
الهدف من هذه المقدمة، لذا قرر أن يكون أكثر وضوحاً في كلامه :
- لقد أدت هذه النوبة التي أصابتك الأسبوع المنصرم إلى تلف وتدمير خلايا تعتبر هي المسئولة عن الخصوبة.. !!
- لا أفهمك أيها الطبيب.. ما الذي تتحدثُ عنه ؟!
- .. أي أنها أدت إلى العُقْم !!
واصلَ الطبيب في شرحٍ طويل عن خلايا وهرمونٍ ودمٍ، وعقمٍ.. وأشياء أخرى
كثيرة لم يستمع إليها، بل إنه كان مشدوهاً ساهماً ينظر إلى وجه زوجته
ونظراتها الغائبة وراء دمعةٍ تختصرُ كل ما بها من انكسار وخيبةٍ !
أحسَّ أنه يخذلها ويكسر فيها الحلم الذي لن تتنازل عنه أي امرأة..
تذكر كيف كانا يختلفان بشدة حول اسم المولود الأول، والثاني.. والثالث !
كيف كانا يهتمان بأدق التفاصيلِ التي ستمكنهما من تربية أطفالهم بشكلٍ
أفضل، كيف كان يقولُ لها ( لا تدعي طيبتكِ الزائدة تفسد تربيتهم )، فتجيبه
( ولا تترك أنتَ قسوتكَ المفرطة تجعلهم ينفرون منكَ )، ثمَّ يضحكان وتتردد
في أخيلتهم الضحكات البريئة لأطفالهم..!
لم ترحمه تلك الذكريات التي مرتْ سريعة بمخيلته، فانهارَ على المقعد وبدأ
العالم من حوله في الدوران والتبدل السريعِ، حتى وجه زوجته أصبح مختلفاً
يحس عند النظر إليه بغربة شديدة !
كان لمرور الأيامِ وقعٌ ثقيل عليه فتغيرت نظرته لمحيطه، وتبدلت عاداته
فأصبحَ يكثرُ من شربِ الشايِ حد الهوس، ثم وجد بعد ذلكَ في التدخين لذة
خاصة يسد بها الفراغ الهائل الذي يعيشه، فراغٌ يعذبه ويجعله يكره نفسه وكل
شيء من حوله، يضيق ذرعاً بهذه الحياة البائسة، ويملك رغبة ملحة في إلحاق
أكبر قدر من الأذى بنفسه، فكانت قناعته بأن الجسد الذي خذله لا يستحق
العناية ولا الاهتمام..!!!
بدأتْ بقعٌ كالبثور تظهر في أماكن متفرقة من جسده، ثم تطورت لتصبح
كالالتهاب والحكة، مما جعل زوجته تتجرأ على التوجه إليه بالكلام بعد أن
أصبحت تهابه كثيراً خوفاً من غضبه :
- يجب أن تعرض هذه الالتهابات على الطبيب قبل أن تستفحل ..
- تريدين أن أذهب إلى المستشفى.. ترى ماذا تدفعينني إلى فقده هذه المرة ؟!!
ثم أضاف :
- لا تقلقي حيالها، إنها النوافذ التي أدخل منها عالمي الخاص حيث لا أطباء ولا مستشفيات.. ولا أنتِ !!
لقد أصبحَ كائناً آخر لا ينتمي إلى أيِّ شيء، ولا يريد أن يكون أيَّ شيءٍ،
يذبلُ ويذوي كالنبتة المنسية، ولم يكن جسمه وحده الذي يتلاشى، وإنما وجه
زوجته كان يتلاشى بدوره ويعلوه الشحوب والإعياء!
زوجته تلك الإسفنجة التي امتصت غضبه وحماقته، وتجرعت بصمت حجم البؤس الذي
تحولت إليه حياتهما حين تغير كل شيء وتبدل.. حينَ كان يمعن في الغياب عن
البيت تاركاً نار القلق تأكل قلبها..
وعند رجوعه بحالة رثة تشي بما كان يفعل، تسأله.. أينَ كان، ولماذا أغلقَ هاتفه أمام اتصالاتها القلقة ؟!!
كان يضحك بهستيرية ويجيبها بأنه عندما رأى رقمها لاحظ أن الشاشة متسخة فأراد أن يغسلها، ثم إنه لم يجد أقرب من البحر فأرسلها إليه!!
كانت قهقهاته تملؤ المكان في كثير من الأوقات، لا يوقفها إلا صراخه في وجه
زوجته، أو تكسير الأواني والأثاث في غيابها، فهو لا يتحمل غيابها، وإذا
حضرت لا يعيرها أيَّ اهتمام..!
ازداد فراغه منذ اليوم الذي دخلت فيه المستشفى إثرَ أزمة صحية كان يرفض
خلالها أن يعرضها على طبيب لأنه لا يرى فائدة في ذلكَ، إلى أن جاء صديقه
ليحاول إقناعه بأنها يجب أن تخضع للعلاج وإلا فإنها ستموت، عندها قال له :
- فلتذهب بها أنتَ، أما أنا فلن أخطو معك خطوة واحدة !!
فيما كان يظل ويبيت يعاقر تلك الحقن فيحلق بعيداً، كانت الأيام تمرُّ
وزوجته لم تعد إلى البيت الذي أصبح أكثر ضيقاً ووحشةً، كأن جدرانه تتقارب
أكثر فأكثر لتخنقه وتعتصره فيما بينها، بينما هو يفرُّ ويفر باحثاً عن
بابٍ أو نافذةٍ يغادر منها هذا البيت الذي أصبحَ يشبه القبرَ..!!
جرى مسافة طويلة دون توقفٍ قبل أن يجد نفسه أمام المستشفى، أخذ نفساً
سريعاً وتجرع كرهه للرائحة ثم أخذ يبحث عنها ليجدها في النهاية ممددة على
سريرٍ تغط في غيبوبة تامة، جلس على المقعد المجاور للسرير وقضى تلك الليلة
ينظر بتمعن في ملامحها وهو شيء لم يفعله منذ زمن بعيد، وعند طلوع الفجر
كان قد اختفى!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almohager.123.st
 
.. قصة قصيرة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المـــــــــهاجر :: الأدب الـــعربـــي و الـعــالــمــي :: قسم الرواية والقصة-
انتقل الى:  

المـــــــــهاجر

↑ Grab this Headline Animator

google